lulupedia

غاليليو غاليلي

6796 words·13‏/9‏/2026·العربية
0

غاليليو دي فينتشنزو بونايتي دي غاليلي (15 فبراير 1564 – 8 يناير 1642) هو عالم فلك وفيزيائي ومهندس وعالِم موسوعي إيطالي من مدينة بيزا، يُعدّ على نطاق واسع أحد الشخصيات المحورية في الثورة العلمية. فقد أسهمت تحسيناته على التلسكوب ورصوده الفلكية الرائدة في توفير أدلة حاسمة على النموذج المركزي الشمسي للمجموعة الشمسية، في حين شكّلت دراساته للحركة والتسارع والخواص المادية الأسس التي قامت عليها الميكانيكا الكلاسيكية والمنهج التجريبي الحديث. ونظراً لاتساع إنجازاته وعمقها، أُطلق على غاليليو لقب «أبِي علم الفلك الرصدي» و«أبِي الفيزياء الحديثة» و«أبِي المنهج العلمي»، وقد وصفه ألبرت أينشتاين بأنه أبُي العلم الحديث. ويبقى صراعه مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية حول نظام كوبرنيكوس المركزي الشمسي أحد أشهر الأحداث في تاريخ العلاقة بين العلم والدين.

النشأة والتعليم

وُلد غاليليو في مدينة بيزا، التي كانت آنذاك تابعة لدوقية فلورنسا، في 15 فبراير 1564، وكان أول أبناء فينتشنزو غاليلي، وهو عالم موسيقي معروف بالعزف على العود ونظريات الموسيقى، وجوليا أمّاناتي من ستة أبناء. وقد أدّت دراسات الأب في فيزياء اهتزاز الأوتار وضبط النغمات إلى تعرّض غاليليو منذ صغره لفكرة إمكانية دراسة الظواهر الطبيعية كمّياً، وهو مقاربة طالعت أعماله لاحقاً تأثيراً عميقاً.

في عام 1581، وبناءً على رغبة والده، التحق غاليليو بجامعة بيزا لدراسة الطب. وحسب رواية شهيرة لكنها على الأرجح مبالغ فيها، فقد جذبت انتباهه الفيزياء أثناء ملاحظته ثريّاً متأرجحاً في كاتدرائية بيزا، حيث لاحظ أن المصباح يتأرجح ذهاباً وإياباً في الزمن نفسه بغضّ النظر عن مدى اتساع تأرجحه. ومع أن هذه القصة يُرجَّح أنها لا أساس لها من الصحة، فإن غاليليو أجرى فعلاً بحوثاً مبكرة جادة في البندول، اكتشف خلالها مبدأ ثبات زمن التذبذب، وهو المبدأ الذي طُبّق لاحقاً في الساعات البندولية. ويُقال إنه في الفترة نفسها أثبت أن الأجسام ذات الكتل المختلفة تسقط بالسرعة نفسها، في تجربة ـ قد تكون أسطورية ـ أُجريت من برج بيزا المائل.

لم يُكمل غاليليو درجة الطب قط. فقد أُسر بسحر الرياضيات فأقنع أسرته بالسماح له بمغادرة الجامعة دون شهادة، وتفرّغ بعدها لدراسة الرياضيات على نحو خاص، وبات يتواصل مع كبار رياضياتي عصره، حتى نال سمعة طيّبة من خلال محاضراته واختراعاته، ومن بينها ميزان هيدروستاتيكي.

المسيرة الأكاديمية

في عام 1589، عُيّن غاليليو في كرسي الرياضيات بجامعة بيزا، وهو منصب متواضع الأجر شغله ثلاث سنوات. وفي عام 1592 انتقل إلى جامعة بادوفا في جمهورية البندقية، حيث درّس الهندسة والميكانيكا وعلم الفلك طيلة ثمانية عشر عاماً. وتمثّلت فترة بادوفا أكثر مراحل حياته إنتاجية؛ فإلى جانب مهام التدريس، باشر بحوثاً في الميكانيكا، وطوّر مقياس حرارة أولياً (نبيسةً من الميزان الحراري)، وأجرى دراسات في المغناطيسية، وعاش جزءاً من رزقه من صناعة الأجهزة العلمية، بما فيها بوصلة عسكرية من تصميمه الخاص.

دخل غاليليو في علاقة طويلة الأمد مع مارينا غامبا من البندقية، أنجب منها ثلاثة أبناء: فيرجينيا وليفيا وفينتشنزيو. والتحقت ابنتاه لاحقاً بدير سان ماتيو في أرتشيتري، متخذَين اسمَي الراهبة ماريا تشيليستي والراهبة أركانجيلا. وظلت ماريا تشيليستي مراسلة مخلصة وداعمة قوية لوالدها حتى وفاتها عام 1634.

الرصد الفلكي بالتلسكوب

في عام 1609، اطلع غاليليو على التلسكوب، وهو أداة بصرية حديثة طُوّرت حديثاً في هولندا. ودون أن يشاهد نموذجاً واحداً منها، استنبط مبادئها وصنع نسخته الخاصة، وقدّمها إلى مجلس الشيوخ البندقي، الذي كافأه بمضاعفة راتبه وتعيينه مدى الحياة في بادوفا. وواصل غاليليو تحسين أدواته، حتى أنتج تلسكوبات بلغت قوة تكبيرها نحو ثلاثين ضعفاً، ووجّهها بانتظام نحو السماوات.

ونشر ملاحظاته عام 1610 في رسالة قصيرة بعنوان «رسالة النجم» (باللاتينية: Sidereus Nuncius)، كانت بمثابة تحوّل في علم الفلك. فقد اكتشف أن سطح القمر ليس كرة كاملة مصقولة كما كانت كوسمولوجيا أرسطو تُوحي، بل يكسوه جبال وفوهات. كما حلّ مجرّة درب التبانة إلى نجوم لا تحصى. وأكثر ما كان لافتاً اكتشافه أربعة أجرام سماوية تدور حول كوكب المشتري ـ وهي الأقمار المعروفة اليوم بأسماء آيو ويوروبا وغانيميد وكاليستو، ويُجمع عليها اسم «أقمار غاليليو» ـ وقد سماها «النجوم المديشية» تكريماً لراعيه المستقبلي الدوق الأكبر كوزيمو الثاني دي ميديتشي. وأثبتت هذه الملاحظات بشكل قاطع أن الأجرام السماوية جميعها لا تدور حول الأرض.

وخلال السنوات التالية أجرى غاليليو مزيداً من الاكتشافات: إذ رصد أطوار الزهرة التي لا تتسق مع نموذج بطليموس المركزي الأرضي الصارم، ووثّق البقع الشمسية مستخدماً إياها في إثبات دوران الشمس حول محورها، ولاحظ الشكل المطوّل الغامض لكوكب زحل الذي عجز تلسكوبه عن تحليله إلى حلقاته. وفي عام 1610، وبفضل إنجازاته على وجه كبير، عُيّن فيلسوفاً ورياضياً أول للدوق الأكبر لتوسكانا وعاد إلى فلورنسا.

الصراع مع الكنيسة الكاثوليكية

أوصلته مناصرة غاليليو للنظام الكوبرنيكي المركزي الشمسي إلى صراع متصاعد مع السلطات الكنسية. ففي عام 1616، أعلنت جماعة الفهرس أن عقيدة ثبات الشمس في مركز العالم مخالفة رسمياً للكتاب المقدس، وأوصى الكاردينال روبرتو بيلارمينو، نيابةً عن محكمة التفتيش، غاليليو بعدم تبنّي نظام كوبرنيكوس أو الدفاع عنه. فامتثل غاليليو ظاهرياً، وواصل التمييز في كتاباته بين مسألة كيفية حركة الأجرام السماوية والمسألة اللاهوتية المنفصلة المتعلقة بتفسير الكتاب المقدس.

وفي عام 1623 نشر كتابه «المُجرِّب» (Il Saggiatore)، وهي قصيدة جدلية بارعة حول طبيعة العلم تضمّنت عبارته الشهيرة بأن الكتاب العظيم للكون «مكتوب بلغة الرياضيات». وفي عام 1632، بعد حصوله على ما ظنّه إذناً رسمياً، نشر «حواراً حول أكبر نظامي العالم»، الذي قارن فيه بين النموذجين البطلمي والكوبرنيكي عبر مناظرة بين ثلاثة متحاورين. ومع أن الكتاب محايد شكلياً، فقد قُرئ على نطاق واسع بوصفه دفاعاً حماسياً عن المركزية الشمسية، ووُجهت انتقادات إلى شخصية سيمبليتشيو الأرسطية بوصفها كاريكاتيرية.

أطلق النشر محاكمة رسمية أمام محكمة التفتيش الرومانية عام 1633. وقد وجد غاليليو «مشتبهاً به بشدة في الهرطقة»، فأُجبر على التبرئة العلنية من آرائه، وحُكم عليه بالسجن الرسمي (خُفّف إلى الإقامة الجبرية الدائمة)، ووُضع «الحوار» على قائمة الكتب المحرمة. وتشير أسطورة شهيرة إلى أن غاليليو تمتم بعد تبرئته قائلاً «Eppur si muove» («ومع ذلك فهي تدور»)، غير أن المؤرخين يعتبرون هذه الحادثة لا أساس لها من الصحة.

السنوات الأخيرة و«العلمان الجديدان»

رغم حبسه في فيلته بأرتشيتري قرب فلورنسا، واصل غاليليو العمل. فخلال إقامته الجبرية ألّف أهم أطروحاته العلمية، وهي «أحاديث ومبرهنات رياضية بشأن علمين جديدين» (ويُشار إليها اختصاراً بـ«الأحاديث»)، التي هُرّبت إلى الخارج ونُشرت في لايدن عام 1638 لأن ناشراً إيطالياً لم يكن مستعداً لطبع أعماله. وفيه لخّص عقوداً من البحوث في متانة المواد وحركة الأجسام، مقدمًا قوانين الحركة المتسارعة بانتظام، والمسار المكافئ للمقذوفات، ومبادئ شكّلت لاحقاً الأساس الذي قامت عليه ميكانيكا نيوتن. وبحلول ذلك الوقت كان غاليليو قد فقد بصره، ومع ذلك واصل استقبال الزوار وتقديم المشورة للعلماء الشباب، بمن فيهم تلاميذ حملوا أفكاره عبر أوروبا. وتوفي في أرتشيتري في 8 يناير 1642. وفي عام 1737 أعيد دفن رفاته موكراً في بازيليكا سانتا كروتشي بفلورنسا.

المنهج العلمي والأفكار

تكمن الأهمية الدائمة لغاليليو بقدر ما في منهجيته بقدر ما في أي اكتشاف منفرد. فقد أصرّ على وجوب بحث الطبيعة من خلال التجربة المضبوطة المقترنة بالوصف الرياضي، محطاً بذلك اعتماد أرسطو على الاستدلال النوعي والنصوص المرجعية. وقد أوضحت تجاربه الذهنية ـ مثل تخيّل مخزن حمولة سفينة أو جسم ساقط في ظروف مثالية ـ كيف يمكن للتفكير المجرد أن يضيء القوانين الفيزيائية. ومن إسهاماته العلمية المحددة: مبدأ القصور الذاتي في صورته الناشئة، والمفهوم المعروف اليوم بنسبية غاليليو (وهو أن قوانين الميكانيكا واحدة في الأطر المرجعية المتحركة بانتظام)، وإثبات أن الأجسام الساقطة تتسارع بانتظام بغضّ النظر عن كتلتها، وتحليل حركة المقذوفات بوصفها تركيباً لحركتين مستقلتين أفقية ورأسية.

الإرث والتأثير

قوّض عمل غاليليو بشكل حاسم الرؤية الأرسطية البطلمية للعالم، ومهّد الأرض للتوليف الذي أجراه إسحاق نيوتن، الذي أقرّ بمديونيته لغاليليو في علم الحركة. وفي عام 1757 رفعت الكنيسة الكاثوليكية حظرها العام على الأعمال الداعية إلى المركزية الشمسية، وأُخرج «الحوار» من قائمة الكتب المحرمة عام 1835. وفي عام 1979 أسّس البابا يوحنا بولس الثاني لجنة لإعادة فحص محاكمة عام 1633، وفي عام 1992 اعترفت الكنيسة رسمياً بأن الحكم الصادر بحق غاليليو كان خطأً، مع التأكيد من جديد على توافق العلم والإيمان. وقد باتت هذه القضية منذ ذلك الحين مرجعاً جوهرياً في النقاشات المتعلقة بالحرية الأكاديمية والعلاقة بين العلم والسلطة الدينية وإبستمولوجيا البرهان العلمي.

وطُبع اسم غاليليو في أنحاء العلوم والتقنية. فوحدة تسارع في نظام سنتيمتر-غرام-ثانية، وهي «الغال» (المساوية لسنتيمتر واحد في الثانية المربعة)، تحمل اسمه تكريماً له، وكذلك أقمار غاليليو لكوكب المشتري، ومسبار «غاليليو» التابع لناسا الذي دار حول المشتري بين عامي 1995 و2003، ونظام «غاليليو» الأوروبي للملاحة عبر الأقمار الصناعية، ومطار غاليليو غاليلي في بيزا، فضلاً عن معالم عديدة على القمر والمريخ، وجامعات ومراصد ومؤسسات علمية في مختلف أنحاء العالم.

Comments (0)

U

No comments yet. Be the first to comment!

You May Be Interested In

Related Articles